علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

233

الصداقة والصديق

والإحجام فذاك شيء قد سدّ الناس دونه كلّ باب ، وقصّر الطمع فيه عن كلّ قاب « 1 » ، فليس له شبح إلّا في الوهم ، ولا خيال إلّا في التمنّي والسلام . وقلت لجعفر بن حنظلة : من أصحب ؟ قال : أخطأت ، قل لي من لا أصحب ، فإني إن حصرت لك من لا تصحب فقد أرشدتك إلى من تصحب ، قال : فمن لا أصحب ؟ قال : لا تصحبني ولا تصحب من كان مثلي ، وما زادني على هذا ، ولحقني من هذا الكلام كرب وصرف الزمان ، فرأيته بمدينة السلام سنة ثمان وخمسين وهو متوجّه إلى الحجّ فقلت له : أيها الشيخ لقد جرحت سرّي بكلامك في وقت كذا وكذا ، ولعلك ذاكر مما كان هناك ، قال : أردت بتنفيرك مني إغراءك بي ، وهذا من خدع المشايخ للمريدين . وحدّثني ابن السّرّاج الصّوفي قال : كنت بالشام عند الروذباري أبي عبد اللّه ، فكتب إلى المهلّبي ، وكان من مشايخ الشام ، كتابا فيه شوق وعتب يقول في فصل منه : أراحك اللّه يا سيدي من شوق من لا تشتاق إليه ، وعتب من لا تغتابه ، فإنه إذا أجاب هذا الدعاء حرس وقتك لك ، وأفرغ بالك عليك ، وكنت في زينة حالك ساعيا ، ولحقائق سرّك وعلانيتك راعيا ، ولكن لو رحمت أصدقاءك في شوقهم إليك ، صنتهم وإياك عن عتبهم عليك ، وليس بضائر أن تجعل اهتمامك بهم ، وطلوعك عليهم ، وتجديدك العهد بمناسمتهم في عرض ما تتقرّب إلى اللّه به إن كان حسنا ، أو في جملة ما تستغفر اللّه منه إن كان قبيحا . وبعد فليس كلّ من أوتي الصبر ، وأعين بالجلد ، وكان له من نفسه داع إلى الجفاء ، ومجيب إلى الهجر ، أكمل ذلك كلّه في البعد عن خلّانه ، والبراءة من خلصانه ، وو اللّه

--> ( 1 ) قاب يقوب قوبا الرجل : قرب ، ألقاب : المقدار ، يقال : « هو على قاب قوسين » كناية عن القرب .